ورقة بحثية :
الأعداد :عمر الأعرجي
إن المرحلة المقبلة ستشهد تحولاً واضحاً في ميزان القوة العالمية، نتيجة التراكمات التي حصلت من سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه دول العالم، وما نتج عن سياسة الرئيس الأمريكي ترامب. هذه الزيارة إعلانٌ غير رسمي عن نظام عالمي متعدد الأقطاب، والذي شهد انقطاعاً دام تسع سنوات بين قوتين عالميتين. الزيارة تتمثل في عدة سيناريوهات مقبلة في نظام عالمي جديد؛ فالتحول المقبل قد يؤدي إلى صراعات بين قوى إقليمية ودولية في نظام عالمي جديد من أجل السيطرة على دول العالم والنفوذ على دول المنطقة، والذي قد يُحدث تحالفات دولية بين دول عظمى، ينتج عنها قبول في التعددية من أجل الحفاظ على القوة التي تمتاز بها الولايات المتحدة، والذي يُشكل اتفاقيات اقتصادية وتجارية من أجل إقامة العلاقات بين البلدين.
Research Abstract:
The upcoming phase will witness a clear shift in the global balance of power as a result of the accumulations stemming from the United States' policy toward nations of the world, and the outcomes of former U.S. President Trump's policies. This visit serves as an unofficial declaration of a multipolar global order, which had experienced a nine-year hiatus between two global powers. The visit encompasses several future scenarios for a new global order; the impending transition may lead to conflicts between regional and international powers within this new order, as they vie for control over nations and influence within the region. This may result in international alliances between major powers, leading to an acceptance of multipolarity in order to preserve the power currently enjoyed by the United States, which, in turn, shapes economic and trade agreements to establish relations between the countries.
المقدمة:
«لا تُعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين مجرد زيارة عابرة تخلو من المؤشرات الدولية، بل جاءت بعد انقطاع في العلاقات دام تسع سنوات؛ لتشكل عودةً للعلاقات، والأمر يتجاوز ذلك بكثير. إن ذهاب قوة عظمى كالولايات المتحدة إلى الصين، في ظل الأزمة مع إيران والتحولات في المنطقة، ما هو إلا إشارة واضحة لقوة الصين وهيمنتها العالمية، ودليل على التحول في النظام الدولي من أحادية القطبية إلى ثنائية القطبية، ومؤشر واضح على إعادة هيكلة وهندسة النظام العالمي في ظل سرعة النمو الصيني وتفوقه عالمياً؛ اقتصادياً وتجارياً وعسكرياً وتكنولوجياً.
وهذه الزيارة، التي بلغت تكلفتها إلى بكين 30 مليون دولار، لم تكن من أجل عقد صفقات تجارية واقتصادية والتبادل بينهما فحسب، بل جاءت لاحتضان قوة الصين وما تمتلكه من موارد قوة؛ إذ رأت الولايات المتحدة أنه ليس من صالحها قطع العلاقات مع قوة كالصين، بل رأت أن الاحتضان وإقامة العلاقات يمثلان تحولاً واضحاً في توازن القوى عالمياً. إن صعود الصين السلمي قد اقترب من الانتهاء، وكل هذا يضر بمصلحة الولايات المتحدة عالمياً، وكذلك في الجانب الإيراني الأمريكي؛ إذ أشارت بعض المصادر إلى أنهما اتفقا على عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً، بالإضافة إلى قضية غلق مضيق هرمز لمنع التدخل فيه، كأداة مؤثرة على إيران.
إن هذه الزيارة شهدت عدة محاور وسيشهد العالم تحولاً سريعاً، وهي لا تمثل الإعلان الرسمي عن التعددية القطبية، وإنما تمهيداً لذلك الإعلان. وسوف نتطرق في ورقتنا البحثية إلى ذلك من خلال ثلاثة مطالب رئيسية».
منهجية البحث:
يعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي.
المطلب الأول: السياق البنيوي للزيارة والدوافع الارتدادية لـ "أمريكا أولاً"
تتحرك الدبلوماسية الأمريكية المعاصرة تحت وطأة ضغوط بنيوية ناتجة عن التراجع النسبي للهيمنة المطلقة، وما يُعرف بـ "الدوافع الارتدادية" (Reflexive Motives) لسياسة "أمريكا أولاً". هذا التوجه ليس مجرد عاصفة سياسية عابرة، بل هو استجابة بنيوية لأزمة الهيمنة؛ حيث تحاول واشنطن إعادة صياغة تحالفاتها التقليدية وفق أسس نفعية حمائية، ونقل أعباء الأمن إلى الحلفاء الإقليميين، لإعادة تركيز مواردها الداخلية ومواجهة الصعود الجيوسياسي.
رأي الباحث:
«هناك ضغوطٌ نحو التحوّل إلى الثنائية القطبية، وقد جاء هذا نتيجةً للصعود السلمي للصين، الذي عزز قوتها للذهاب نحو التعددية القطبية. وأيضاً ما نتج عن السياسة الخارجية الأمريكية تجاه العالم ومحاولاتها للهيمنة عليه بطريقة غير سلمية، مما أدى إلى فقدان الثقة بها على مستوى العالم».
2. التعددية القطبية وتآكل الهيمنة الأحادية (بكين كمركز ثقل عالمي)
يمر النظام الدولي بمرحلة انتقالية حرجة تشهد تآكلاً تدريجياً للهيمنة الأحادية (Polarity Erosion) لصالح "التعددية القطبية المرنة". وتبرز بكين هنا كمركز ثقل استراتيجي واقتصادي وعسكري عبر استراتيجيات القوة الناعمة والصلبة معاً (مثل مبادرة الحزام والطريق، وتوسيع مجموعة بريكس BRICS، ومنظمة شينغهاي للتعاون). الصعود الصيني لا يرتكز فقط على النمو الاقتصادي، بل على إعادة صياغة القواعد المؤسسية للنظام الدولي وتقديم نموذج تنموي بديل ينافس المشروطية الغربية.
رأي الباحث:
«إنَّ الصعود الاقتصادي الصيني، الذي كان بمثابة صعودٍ نحو التعددية القطبية، لم يكن إلا وسيلةً غير مباشرة للهيمنة الاقتصادية، ومن أعظم الموارد التي عززت هيمنتها والحاجة إليها؛ إذ أصبحت الصين ثاني اقتصاد في العالم، ولم يقتصر الأمر على الاقتصاد، بل شمل التطوير العسكري والتكنولوجي. وقد تمثلت الزيارة في أن الحاجة أصبحت ملزمة لإقامة اتفاقيات اقتصادية، وهذا يدل على أن غياب التواصل لم يكن من جانب الولايات المتحدة فحسب، وإنما كان مؤشراً على النهوض نحو عالم جديد، وأصبحت إقامة العلاقات أولويةً للولايات المتحدة».
صعود الصين وتآكل الأحادية.
المطلب الثالث: مستقبل التوازن الدولي وسيناريوهات نظام ما بعد القمة
تتأرجح سيناريوهات نظام ما بعد القمم الدولية والتحولات الراهنة بين ثلاثة مسارات أساسية تحكم مستقبلاً التوازن الدولي:
سيناريو الحرب الباردة الجديدة (الحتفية الثنائية): انقسام العالم إلى كتلتين متصلبتين (غربية تقودها واشنطن، وشرقية تقودها بكين وموسكو).
سيناريو التعددية الفوضوية (تشتت القوة): غياب قيادة عالمية واضحة، وزيادة النزاعات الإقليمية، وبروز قوى متوسطة مؤثرة (مثل الهند، تركيا، والبرازيل) تلعب على التناقضات الدولية.
سيناريو التوازن المؤسسي المعدّل: إعادة هيكلة المنظمات الدولية (مجلس الأمن، صندوق النقد الدولي) لتعكس موازين القوى الجديدة وتجنب المواجهة المباشرة.
رأي الباحث:
«من السيناريوهات المستقبلية التي نتجت عن تحوّلات القمة: أن تتشكّل قوى متكتلة، وينقسم العالم إلى معسكرين، مما يؤدي إلى نشوب حرب باردة. ومن السيناريوهات المطروحة أيضاً: تفاهم المصالح بين الدول العظمى، وظهور قوى إقليمية، واندلاع نزاعات إقليمية، والدخول في حالة من الفوضى العالمية سعياً وراء الهيمنة».
الخاتمة والتوصيات:
«إنَّ التغيير السريع الذي يشهده العالم، والصراعات حول النفوذ العالمي التي افتعلتها الولايات المتحدة، وما نتج عنها من سياساتٍ غير واقعية، أدت إلى ضعفٍ في تعزيز الهيمنة العالمية. وفي المقابل، صعدت الصين نحو الريادة العالمية عبر نهجٍ سلمي، وبكل قوة، ودبلوماسية ناعمة وثقافية وشعبية وإنسانية في دول العالم؛ من أجل كسب الثقة تجاه قوة الصين وتعزيز حضورها دولياً، وقد حدث ذلك من خلال إقامة مشاريع اقتصادية وتجارية بينها وبين دول العالم، لا سيما عبر مبادرة "الحزام والطريق" التي أكسبتها ثقة المجتمع الدولي وعززت نفوذها. ونظراً لكونها قوة اقتصادية عالمية، فقد جاءت زيارة الرئيس الأمريكي إلى الصين لتمثل تحولاً واضحاً، وتؤكد الحاجة الماسة لقوة الصين. وبناءً على ذلك، نورد التوصيات التالية:
1- إقامة مشاريع اقتصادية وتجارية مع دولة الصين، والعمل على ديمومة العلاقات معها.
2- التوجه نحو التعددية القطبية من خلال الشراكة مع الصين.
3- إقامة تحالفات دولية بين دول العالم ودول المنطقة.
4- تعزيز الدبلوماسية الناعمة والقوة السلمية بدلاً من الاعتماد على القوة الصلبة».
قائمة المصادر والمراجع (References List)
Allison, G. (2017). Destined for War: Can America and China Escape Thucydides's Trap? New York: Houghton Mifflin Harcourt.
Bremmer, I. (2012). Every Nation for Itself: Winners and Losers in a G-Zero World. New York: Portfolio.
Flanagan, S. J., et al. (2019). China, Russia, and Twenty-First Century Global Geopolitics. Santa Monica, CA: RAND Corporation.
Kaplan, R. D. (2018). The Return of Marco Polo's World: War, Strategy, and American Interests in the Twenty-first Century. New York: Random House.
Mearsheimer, J. J. (2018). The Great Delusion: Liberal Dreams and International Realities. New Haven, CT: Yale University Press.
Nye, J. S. (2015). Is the American Century Over? Cambridge: Polity Press.
Shambaugh, D. (2020). China and the World. Oxford: Oxford University Press.
Walt, S. M. (2018). The Hell of Good Intentions: America's Foreign Policy Elite and the Decline of U.S. Primacy. New York: Farrar, Straus and Giroux.
Zakaria, F. (2008). The Post-American World. New York: W. W. Norton & Company