
ناجي الغزي/كاتب وباحث سياسي
ثمة ظاهرة سياسية ونفسية تستحق التوقف عندها في العراق، لا لأنها تعكس خلافاً عابراً حول إيران أو العرب، بل لأنها تكشف عن أثر عميق تركه تاريخ طويل من الاستبداد والطائفية والتصنيف القومي والمذهبي في الوعي السياسي العراقي. ومن أخطر تجليات هذه الظاهرة أن بعض العراقيين، ولا سيما من أبناء البيئة الشيعية، ما زالوا يتعاملون مع وطنيتهم وكأنها تحتاج إلى شهادة حسن سلوك يمنحها الآخر.
لقد نجح النظام البعثي، عبر عقود من القمع والإقصاء وإعادة تعريف الوطنية وفق معايير أيديولوجية وقومية وطائفية، في إنتاج صورة مشوهة عن المواطن العراقي. ولم ينتهِ أثر ذلك الخطاب بسقوط النظام, إذ بقيت بعض مفاهيمه حية في الوعي السياسي والاجتماعي، ولكن بأشكال أكثر نعومة وأشد التباساً.
ومن هنا نشأت لدى بعض الأفراد حالة يمكن وصفها بـ "الوطنية التعويضية" وهي محاولة إثبات عراقية الشخص وعروبته من خلال المبالغة في إدانة إيران، وشتم رموزها، والتشدد في معاداتها، وكأن مقدار العداء لإيران أصبح معياراً لقياس مقدار الوطنية.
وهنا تكمن المفارقة، فبدلاً من أن يكون العراق هو نقطة الانطلاق في تحديد الموقف من إيران، أصبحت إيران هي نقطة الانطلاق في تحديد معنى العراق.
وبدلاً من أن يكون السؤال: ما الذي يخدم مصلحة العراق؟، أصبح السؤال عند البعض: كيف أثبت للآخرين أنني لست إيرانياً؟.
وهذا التحول ليس تفصيلاً لغوياً عابراً، إنه انتقال خطير من الوطنية بوصفها انتماءً مستقلاً إلى الوطنية بوصفها موقفاً دفاعياً أمام اتهام مفترض.
*من الوطنية إلى طلب الاعتراف*
المشكلة الأعمق ليست في انتقاد إيران, فهذا حق سياسي مشروع، بل قد يكون واجباً عندما يتعلق الأمر بتدخل أو انتهاك للسيادة أو دعم لقوى سياسية فاسدة أو ممارسة نفوذ يتعارض مع مصالح الدولة العراقية. المشكلة تبدأ عندما يتحول انتقاد إيران من موقف سياسي قابل للنقاش إلى طقس لإثبات الوطنية. وهنا تصبح المعادلة مختلة: *كلما شتمت إيران أكثر، أصبحت عراقياً أكثر*.وهذا المنطق، في جوهره، لا يحرر الإنسان من الطائفية، بل يعيد إنتاجها بصورة معكوسة، لأنه يفترض أن الشيعي يحتاج إلى إثبات براءته من إيران كي يحصل على الاعتراف بعراقيته، بينما يُتعامل مع عراقي آخر باعتباره وطنياً وعروبياً بصورة تلقائية، بصرف النظر عن مواقفه الفعلية من الدولة أو العنف أو التدخلات الخارجية. وفي ظل هذه الازدواجية لا يمكن أن تنتج دولة وطنية. بينما غير مطلوبة تلك الشهادة من مكوّن دون آخر. ولا يجوز أن يصبح الانتماء الوطني امتحاناً يفرض على العراقي أن يثبت فيه أنه أكثر عداءً لدولة أجنبية من غيره.
*إعادة إنتاج خطاب البعث بأدوات جديدة*
الأكثر خطورة أن بعض الخطابات المعاصرة أعادت إنتاج البنية القديمة للصراع، ولكن بمفردات جديدة. فقد اختفت في كثير من الأحيان اللغة البعثية المباشرة، وحلّت محلها تعبيرات تبدو وطنية وقومية، لكنها تحمل في بعض الحالات الوظيفة السياسية ذاتها: وضع فئة عراقية كاملة في موضع الشبهة، وربط هويتها السياسية بولاء خارجي مفترض. وهنا ينبغي التمييز بين نقد السلوك السياسي لإيران وبين تحويل إيران إلى "اختبار مذهبي" للشيعة العراقيين.
إيران دولة لها مصالحها وحساباتها وأخطاؤها وأدوات نفوذها، كما أن تركيا دولة لها مصالحها، والولايات المتحدة دولة لها مصالحها، وكذلك دول عربية وإقليمية أخرى.
الدولة لا تتعامل مع الدول الأخرى بمنطق الحب والكراهية، بل بمنطق المصلحة والسيادة وتوازن القوى. ومن ثم فإن اختزال الموقف العراقي في سؤال: "هل أنت مع إيران أم ضدها؟" هو في حد ذاته إلغاء للعراق من المعادلة.
*المشكلة ليست في العرب… بل في توظيف العروبة*
وفي الجهة المقابلة، لا يمكن بناء قراءة متوازنة من دون الاعتراف بوجود خطاب آخر يستخدم العروبة أحياناً باعتبارها امتيازاً سياسياً لا هوية ثقافية. العروبة قيمة ثقافية وتاريخية واسعة، لكنها لا يمكن أن تكون غطاءً لإعادة إنتاج الطائفية.
ولا يمكن أن تتحول العروبة إلى حصانة سياسية تجعل بعض المواقف بمنأى عن النقد، بينما يصبح الشيعي مطالباً بإثبات عروبته باستمرار.
فالوطنية لا تُقاس بنسب الإنسان، ولا بمذهبه، ولا باللغة التي يتحدث بها، ولا بالدولة التي يهاجمها في وسائل الإعلام. الوطنية تُقاس بالموقف من الدولة والقانون والسيادة وحقوق المواطنين. ومن الخطأ أن يتحول السكوت عن جرائم البعث أو الإرهاب التكفيري أو التدخلات الإقليمية إلى أمر يمكن تبريره تحت عنوان "الموقف العربي"، كما أن الخطأ المقابل هو تبرير أي تدخل إيراني بحجة مواجهة خصوم إيران. لا يمكن أن نواجه طائفية بطائفية مضادة، ولا تبعية بتبعية أخرى.
لذلك نجد ان أخطر مراحل الدونية: عندما يصبح التطرف وسيلة لإثبات الذات.
ربما تصل الأزمة إلى ذروتها عندما يبحث الإنسان عن الاعتراف من خلال تبني مواقف أكثر تطرفاً من البيئة التي يريد الحصول على قبولها. عندها يصبح من الممكن أن يرى بعض العراقيين في شخصيات مثيرة للجدل أو ذات ماضٍ مسلح ورموز مرتبطة بخطابات تكفيرية نماذج جديرة بالإعجاب، ليس بسبب تقييم موضوعي لتجربتها، وإنما لأنها تمثل في وعيه صورة "الآخر" الذي يريد أن يثبت أنه ينتمي إليه ثقافياً وقومياً. وهنا تتحول السياسة إلى أزمة هوية.
*إيران ليست بريئة… لكن نقدها لا يحتاج إلى عقدة*
وفي المقابل، فإن رفض عقدة الدونية لا يعني إطلاقاً تبرئة إيران من مسؤولياتها. إيران، مثل أي قوة إقليمية، مارست نفوذاً واسعاً في العراق، ودعمت قوى وشخصيات سياسية، وتدخلت في تفاصيل من الحياة السياسية والأمنية، وارتكبت سياساتها أخطاء استراتيجية ساهم بعضها في تعقيد بناء الدولة العراقية.
ومن حق العراقي أن ينتقد ايران بشكل واضح. لكن الفرق بين المواطن الواثق والمواطن الذي يعيش عقدة الدونية هو أن الأول ينتقد إيران لأنها تدخلت في شؤون بلده، بينما قد ينتقدها الثاني لأنه يريد أن يثبت للآخرين أنه ليس إيرانياً. الأول يمارس السيادة. والثاني يمارس إثبات الذات. وهذا فارق جوهري.
*تركيا وأمريكا والسعودية وإيران: المعيار واحد*
إذا كان العراق يريد أن ينتقل من مرحلة الاستقطاب إلى مرحلة الدولة، فلا بد من إعادة بناء "المسطرة الوطنية". لا يجوز أن يكون التدخل الإيراني مرفوضاً، بينما يصبح التدخل التركي قابلاً للتبرير.
ولا يجوز رفض النفوذ الأمريكي حيناً، ثم اعتباره ضرورة حيناً آخر وفقاً للجهة التي تدعمه.
ولا يجوز انتقاد دولة عربية لأنها تتدخل في العراق، ثم السكوت عن تدخل دولة أخرى لأنها تنتمي إلى المجال الثقافي نفسه.
المبدأ يجب أن يكون واحداً: كل تدخل خارجي يُقاس بمدى تعارضه مع السيادة والمصلحة العراقية، لا باسم الدولة التي تمارسه. والقاعدة ذاتها تنطبق على الإرهاب.
الإرهاب لا يصبح أقل إرهاباً لأن مرتكبه ينتمي إلى بيئة قومية أو مذهبية معينة، ولا يصبح أكثر إرهاباً لأن خصمه السياسي ينتمي إلى بيئة مختلفة.
المدني العراقي مدني عراقي. والدم العراقي لا يحمل جنسية سياسية. فالعراق بحاجة إلى استقلال نفسي قبل الاستقلال السياسي. لان المعركة الحقيقية ليست فقط مع التدخلات الخارجية، بل مع قابلية الداخل للاستجابة لها.
فالدولة القوية لا تُبنى بمجرد إخراج النفوذ الخارجي، وإنما ببناء مجتمع سياسي لا يحتاج إلى الخارج كي يمنحه تعريفاً لهويته.
العراقي الذي يحتاج إلى إيران لكي يشعر بقوته، أو يحتاج إلى العرب لكي يثبت عروبته، أو يحتاج إلى أمريكا لكي يثبت حداثته، أو يحتاج إلى تركيا لكي يثبت انتماءه الإقليمي، لم يتحرر بعد من التبعية، مهما رفع من شعارات السيادة. الاستقلال الحقيقي يبدأ عندما يصبح العراق مرجعيتنا الأولى في تعريف مواقفنا.
عندها يمكن للعراقي أن يحب إيران ثقافياً وينتقد سياساتها. ويمكنه أن يعتز بعروبته ويرفض أي خطاب طائفي عربي.
ويمكنه أن يرفض الولايات المتحدة في قضية ويقبل تعاونها في قضية أخرى. ويمكنه أن ينتقد تركيا من دون أن يكره الأتراك. ويمكنه أن يختلف مع أي دولة من دون أن يحوّل شعبها إلى عدو.
هذه هي السياسة الناضجة. الدولة هي نقطة التوازن
العراق لا يحتاج إلى انتصار محور على محور بقدر ما يحتاج إلى انتصار الدولة على منطق المحاور. فالبديل الحقيقي عن الاستقطاب ليس الحياد السلبي، وإنما الاستقلال الإيجابي: أن يمتلك العراق القدرة على بناء علاقاته الخارجية وفق مصالحه الوطنية، وأن يرفض أن تتحول أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.