
ناجي الغزي/ كاتب سياسي واقتصادي
في الدول الطبيعية تُقاس قوة الحكومات بحجم مشاريعها، أما في الدول الريعية فتُقاس بقدرتها على دفع الرواتب. وهذه هي المعضلة التي يقف أمامها العراق اليوم. فحين ينخفض تصدير النفط من نحو 99 مليون برميل شهرياً إلى قرابة 10 ملايين فقط، بينما تحتاج الدولة إلى ما لا يقل عن 6 مليارات دولار شهرياً لتغطية نفقاتها، فإن الأزمة لا تعود أزمة سيولة مؤقتة، بل تتحول إلى أزمة نموذج اقتصادي كامل يقترب من مرحلة الاختناق البنيوي.
العراق اليوم ينفق سنوياً نحو 100 تريليون دينار على الرواتب والأجور والتقاعد، فيما تتجاوز النفقات الشهرية للرواتب والرعاية الاجتماعية وحدها 8 تريليونات دينار. كما أن عدد موظفي القطاع العام تجاوز 4.5 ملايين موظف، عدا أكثر من 3 ملايين متقاعد وملايين المستفيدين من شبكات الرعاية الاجتماعية، فضلاً عن النفقات التشغيلية للمحافظات، وحصة إقليم كردستان، وموازنات المؤسسات الأمنية والعسكرية، ودعم الكهرباء والطاقة والبطاقة التموينية.
وبحسب تقديرات اقتصادية، فإن الرواتب تلتهم ما بين 65% إلى 70% من الإنفاق الحكومي، بينما تعتمد الموازنة بأكثر من 90% على عائدات النفط. وهذا يعني أن العراق يعيش معادلة خطيرة: دولة تستهلك معظم إيراداتها في الإنفاق التشغيلي من دون قاعدة إنتاجية قادرة على امتصاص أي صدمة نفطية أو جيوسياسية.
المشكلة هنا ليست نقص الموارد، بل فشل نموذج الدولة الريعية الذي تأسس بعد 2003، حيث تحولت مئات مليارات الدولارات النفطية إلى تضخم وظيفي وإنفاق استهلاكي، بدلاً من بناء اقتصاد منتج وصندوق سيادي يحمي البلاد وقت الأزمات.
*اقتصاد الريع حين يتحول إلى تهديد للأمن الوطني*
الخطير في الطروحات التي تناقش في الاعلام وفي الاروقة السياسية والاقتصادية وحتى الاكاديمية منها لا تناقش التنمية كمفهوم ومبادرات، بل يناقشون كيف "تصمد الدولة" أما المتغيرات الجيوسياسية، التي أدت الى تعطيل وتقليل الصادرات النفطية. وهذا بحد ذاته تحوّل مرعب في العقل الاقتصادي العراقي، إذ انتقلت الدولة من التفكير بالمشاريع والاستثمار إلى التفكير بقدرتها على البقاء.
فالاقتصاد الريعي لا يصنع دولة قوية، بل يصنع دولة معلقة بأسعار النفط والممرات البحرية والقرارات الدولية. ولذلك بدا العراق الأكثر تضرراً من أزمة مضيق هرمز، ليس لأن صادراته توقفت فقط، بل لأنه لا يمتلك بدائل حقيقية، ولا صندوقاً سيادياً، ولا قاعدة إنتاجية داخلية، ولا شبكة تصدير متعددة الاتجاهات.
وهنا تتكشف المعضلة الأخطر، العراق ليس ضحية الجغرافيا فقط، بل ضحية الخيارات السياسية التي عطلت بناء الدولة الاقتصادية منذ 2003.
*الاقتراض ليس حلاً… بل تأجيل للانفجار*
الخيارات المطروحة أمام صناع القرار هو الاقتراض الداخلي، أو خفض قيمة الدينار، أو اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، وهذه الخيارات كلها تعكس أن الدولة دخلت فعلياً مرحلة "إدارة العجز". فالاقتراض الداخلي يعني عملياً استنزاف البنك المركزي وتآكل الاحتياطي النقدي، أما خفض قيمة الدينار فهو نقل الأزمة إلى المواطن عبر التضخم وارتفاع الأسعار، بينما يحمل الاقتراض الخارجي شروطاً سياسية واقتصادية قد تمس سيادة القرار العراقي.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة، أن العراق الذي دخلته مئات مليارات الدولارات خلال عقدين، يعود اليوم للبحث عن قروض لتأمين الرواتب. وهذا ليس فشلاً مالياً فقط، بل فشل فلسفة حكم كاملة قامت على توزيع الثروة بدل إنتاجها، وعلى توسيع الدولة الاستهلاكية بدل بناء الدولة التنموية.
*الفساد لم يعد سرقة… بل بنية حكم*
النقطة الأهم الذي لايمكن تجاوزها او غض النظر عنها، هو "الفساد" حيث أن الفساد لم يعد يُقدَّم كحالات فردية، بل كمنظومة متكاملة تحكم الاقتصاد والسياسة والإدارة.
فعندما تتحول المشاريع إلى سلسلة من الوسطاء والمقاولين الثانويين والمكاتب الاقتصادية، فإن الأموال العامة لا تضيع بسبب سوء الإدارة فقط، بل بسبب وجود "اقتصاد ظل سياسي" يعيش على إضعاف الدولة نفسها.
ولهذا فإن أي حكومة جديدة لن تنجح بمجرد تغيير الوزراء أو إطلاق الشعارات، لأن جوهر الأزمة يكمن في العلاقة بين السلطة والمال والنفوذ الحزبي. والعراق اليوم لا يحتاج إلى "إصلاح إداري" فقط، بل إلى إعادة تعريف الدولة: هل هي دولة مؤسسات؟ أم دولة محاصصة؟ هل القرار الاقتصادي سيادي؟ أم موزع بين الأحزاب والمصالح الإقليمية؟
*الرقمنة… المعركة الحقيقية ضد الفساد*
واحدة من أكثر النقاط عمقاً في دائرة الإصلاح نقدمها للحكومة الجديدة هي الربط بين الرقمنة ومحاربة الفساد. فالمشكلة في العراق ليست نقص القوانين، بل كثافة الاحتكاك بين المواطن والموظف والحزب والوسيط.
كلما اتسعت المسافة الرقمية، ضاقت مساحة الرشوة. ولهذا فإن التحول الرقمي ليس رفاهية تقنية، بل مشروع سيادي لإعادة بناء الدولة. لأن الدولة الإلكترونية تعني: تقليل التدخل الحزبي، وضبط الإيرادات، وتقليص الاقتصاد الموازي، وخلق شفافية تمنع تسرب المال العام.
أي أن الرقمنة في العراق ليست مجرد تحديث إداري، بل معركة سياسية ضد بنية الفساد التقليدية.
*هل تستطيع الحكومة الجديدة النجاة؟*
الحكومة الجديدة برئاسة رجل الاعمال الأستاذ علي فالح الزيدي لا تواجه أزمة اعتيادية، بل تقف أمام "امتحان تاريخي". فهي جاءت في لحظة تتقاطع فيها: أزمة النفط، واضطراب دول الإقليم، وتضخم الدين العام الداخلي والخارجي، وانهيار الثقة بين المواطن والطبقة السياسية الحاكمة، وتعاظم الضغوط الدولية على العراق حول موضوع الفصائل المسلحة ونزع أسلحتها. ولهذا فإن نجاحها لن يُقاس بعدد المشاريع التي تفتتحها، بل بقدرتها على منع الانهيار وإعادة تعريف أولويات الدولة.
والعراق في هذه اللحظة التاريخية لم يعد يملك ترف الوقت. فالدولة التي تعتمد على النفط بنسبة شبه مطلقة، وتستهلك معظم إيراداتها في الرواتب والنفقات التشغيلية، ستكون عاجزة عن مواجهة أي صدمة طويلة الأمد.
*العراق أمام لحظة إعادة تأسيس*
ما يجري اليوم ليس أزمة مالية مؤقتة، بل لحظة تاريخية قد تدفع العراق إلى إعادة بناء فلسفته الاقتصادية والسياسية بالكامل. فإما أن تتحول الأزمة الحالية إلى نقطة انطلاق نحو اقتصاد متنوع، ودولة رقمية، وقرار سيادي، ومؤسسات حقيقية، وإما أن يبقى العراق أسيراً لدولة الريع والمحاصصة، يعيش من أزمة إلى أخرى، ومن قرض إلى آخر، حتى يصبح النفط نفسه عاجزاً عن إنقاذه. وفي السياسة كما الاقتصاد، ليست المشكلة في قلة الموارد… بل في طريقة إدارة الدولة.