مركز حوار للدراسات والبحوث الدولية
عاجل
آخر تحديث: جاري التحميل...

​خيطٌ رفيع بين الظلم والعدل...


يكشفها بقلمه..

الكاتب والناقد السياسي حسن درباش العامري 

يبدو أن التطورات التي شهدها الواقع الحياتي في العراق قد دفعتنا إلى الاقتراب كثيراً من ذلك الخيط الرفيع الفاصل بين العدل والظلم؛ بل إن المفهومين، في بعض مفاصل حياتنا، أصبحا متداخلين إلى درجة يصعب معها على المواطن البسيط أن يميز أين ينتهي أحدهما وأين يبدأ الآخر.

فبعد عقود من الاستبداد والدكتاتورية، كان العراقيون ينتظرون لحظة تاريخية مختلفة؛ لحظة ينتقل فيها البلد من حكم الفرد إلى دولة المؤسسات، ومن الخوف إلى الحرية، ومن الامتيازات الخاصة إلى المواطنة المتساوية، ومن احتكار الثروة والقرار إلى عدالة توزيع الموارد والفرص.

كان من الطبيعي أن يتطلع العراقي، بعد سقوط الاستبداد، إلى دولة تقول له ببساطة: أنت مواطن، وهذه ثروة بلدك، وهذه حقوقك، ولا أحد فوق القانون.

لكن الذي حدث، في كثير من مفاصل الدولة والمجتمع، لم يكن انتقالاً واضحاً من الظلم إلى العدالة، بقدر ما كان انتقالاً من احتكار السلطة إلى تقاسمها بين قوى وأحزاب وشخصيات ومجموعات نفوذ. ومع مرور السنوات، أصبح المال العام والوظيفة والأرض والعقد الحكومي والامتياز وحتى بعض الخدمات، أدوات تدخل في شبكة واسعة من العلاقات السياسية والحزبية والاجتماعية.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فحين يستأثر شخص بمنافع هائلة تحت عنوان قانوني أو سياسي، ثم تتسع دائرة المستفيدين من حوله، فيحصل أتباعه ومقربوه على امتيازات مشابهة، وربما أكبر، فإن الأمر لا يعود مجرد امتياز لشخص واحد؛ بل يتحول إلى نظام اجتماعي جديد تتوزع فيه الثروة والنفوذ بحسب القرب من صاحب السلطة، لا بحسب الاستحقاق والكفاءة والمواطنة.وهذا ما اثبتته الحمله التي يقودها رئيس الوزراء العراقي السيد علي الزيدي حين كشفت عن فساد واموال قارون بيد نائبه تدعي النزاهة او نائب صدع رؤسنا بالشرف والعفه والحقوق او من خلال مسؤول يكرم بوسام الشرف ليتضح انه الابعد عنه او مسؤول يقرب المقربين منه ليصيروا بين ليلة وضحاها من اصحام الملايين او المليارات من أموال الشعب المسروقه ..

ولعل المواطن العراقي لا يحتاج إلى كثير من الأدلة كي يكتشف الفارق بين حياته وحياة بعض المسؤولين وأتباعهم. يكفي أن ينظر إلى مظاهر الثراء المفاجئ، والسيارات، والعقارات، والقصور، والسفر، وأنماط الحياة التي ظهرت على بعض الأشخاص خلال سنوات قليلة، ليتساءل: من أين جاءت كل هذه الأموال؟

ولا يعني ذلك أن كل مسؤول ثري فاسد، أو أن كل من يعمل في الدولة مستفيد بطريقة غير مشروعة، لكن السؤال المشروع الذي ينبغي أن يُطرح في دولة القانون هو: هل تتناسب هذه الثروات مع الدخول المشروعة لأصحابها؟ وهل خضعت للمساءلة والتدقيق؟

إن العدالة ليست أن تمنح الجميع الشيء نفسه، وإنما أن تمنح الجميع الفرصة نفسها.

أن يدخل ابن الفقير إلى الوظيفة مثل ابن المسؤول.

وأن يحصل الخريج الكفوء على فرصة العمل لأنه كفوء، لا لأنه يحمل توصية من حزب أو شخصية نافذة.

وأن تكون الأرض ملكاً للدولة والمواطنين جميعاً، لا خزينة مفتوحة أمام جماعة سياسية أو شبكة من المنتفعين.

لكن عندما تصبح الوظيفة سلعة، ويصبح التعيين طريقاً يمر عبر المال أو الواسطة، فإن الفقير لا يخسر وظيفة فقط؛ بل يخسر إيمانه بالدولة.

وعندما يرى شاب أنه قضى سنوات في الدراسة ثم عجز عن الحصول على وظيفة، بينما حصل آخر على الوظيفة لأنه أقرب إلى جهة سياسية أو استطاع دفع المال، فإن الرسالة التي تصله ليست مجرد رسالة اقتصادية، وإنما رسالة خطيرة تقول له: الكفاءة وحدها لا تكفي، والمواطنة وحدها لا تكفي، والعدالة ليست قاعدة عامة.

والأمر لا يتوقف عند الوظائف.

فقد أصبحت الأراضي والمساحات والفضاءات العامة في بعض المناطق موضعاً لصراع شديد بين الحق العام والمصالح الخاصة؛ فتتحول المساحة الخضراء إلى مشروع، والأرض العامة إلى استثمار، والفضاء المتروك إلى فرصة، ثم تبدأ رحلة طويلة من العناوين القانونية والإدارية التي قد تنتهي في بعض الحالات إلى تمليك أو استحواذ أو إنشاء مساكن ومشاريع عليها، ثم بيعها وتحقيق أرباح طائلة.

وهنا ينبغي أن نتوقف عند سؤال بسيط لكنه جوهري:

من يملك ما لا يملكه؟

إذا كانت الأرض ملكاً عاماً، فمن حق أي مسؤول أن يديرها وفق القانون، ولكن ليس من حقه أن يتعامل معها وكأنها ملك شخصي أو حزبي. وإذا كانت هناك استثمارات حقيقية تخدم الناس، فليكن ذلك عبر منافسة شفافة وعقود معلنة وضوابط واضحة، لا عبر توزيع الأراضي والمنافع على المقربين.

والأخطر من كل ذلك أن يتحول المال العام نفسه إلى منطقة رمادية يجري فيها اختراع التبريرات والمصطلحات لتسهيل الاستحواذ عليه؛ فتظهر تعبيرات مثل «مجهول المالك» أو «الاستحواذ» لتصبح، في بعض التطبيقات، مدخلاً لتبرير وضع اليد على أموال أو عقارات يفترض أنها محمية لمصلحة الدولة والمجتمع.

وهنا يصبح الخطر أكبر من مجرد سرقة المال.

لأن سرقة المال العام جريمة، أما تحويل السرقة إلى ممارسة مقبولة أو مبررة أو ذات غطاء ديني أو قانوني أو سياسي، فهو أخطر بكثير؛ لأنه يقتل فكرة القانون نفسها.

الدين لا يمكن أن يكون غطاءً للفساد، والقانون لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتجميل التجاوز، والسياسة لا يمكن أن تكون رخصة للاستحواذ على ما هو ملك للمجتمع.

إن العراق لا يعاني فقط من مشكلة أموال تُهدر أو تُسرق، وإنما يعاني من مشكلة أعمق: اختلال مفهوم العدالة في الوعي العام.

فحين يرى المواطن أن بعض الناس يحصلون على كل شيء، بينما يقضي آخرون أعمارهم بحثاً عن وظيفة أو سكن أو علاج أو فرصة تعليم، يبدأ الإحساس بالظلم بالتحول إلى قناعة.

وعندما تتحول هذه القناعة إلى حالة عامة، يصبح المجتمع أمام خطر أكبر من الفساد المالي نفسه؛ خطر فقدان الثقة بالدولة.

والدولة التي يفقد المواطن ثقته بعدالتها لا تستطيع أن تطلب منه الكثير.

لا تستطيع أن تطلب منه احترام القانون إذا كان يعتقد أن القانون يطبق على الضعيف ولا يصل إلى القوي.

ولا تستطيع أن تطلب منه المحافظة على المال العام إذا كان يرى المال العام يتحول إلى امتيازات خاصة.

ولا تستطيع أن تطلب منه الإيمان بالمؤسسات إذا كان يعتقد أن المؤسسات تُدار بمنطق النفوذ والمحاصصة والمصالح.

لقد خرج العراقيون من زمن كان فيه الظلم واضحاً وله عنوان واحد، وكانوا يأملون أن يدخلوا زمناً يصبح فيه العدل قاعدة لا استثناء.

لكن الخطر اليوم أن يتحول الظلم إلى شبكة مصالح معقدة ترتدي أحياناً ثياب القانون، وأحياناً ثياب السياسة، وأحياناً ثياب الاستثمار، وأحياناً ثياب الدين.

وهنا يصبح الخيط بين الظلم والعدل رفيعاً جداً.

فالعدل ليس أن يستبدل مستبد بآخر، ولا أن تنتقل الامتيازات من يد إلى أخرى، ولا أن يصبح شعار «المظلومية» طريقاً إلى صناعة مظلومين جدد.

العدل الحقيقي هو أن يصبح القانون أقوى من المسؤول، وأن تصبح الدولة أقوى من الحزب، وأن تصبح حقوق المواطن أقوى من الواسطة، وأن يكون المال العام أمانة لا غنيمة.

وإلا فإننا لن نكون قد انتقلنا من الظلم إلى العدل، وإنما سنكون قد انتقلنا فقط من ظلمٍ معروف الاسم إلى ظلمٍ مجهول العنوان.

وهذه هي المأساة التي ينبغي أن نخشى منها أكثر من أي شيء آخر.

​*من يملك تعريف الوطنية العراقية؟*


ناجي الغزي/كاتب وباحث سياسي 

ثمة ظاهرة سياسية ونفسية تستحق التوقف عندها في العراق، لا لأنها تعكس خلافاً عابراً حول إيران أو العرب، بل لأنها تكشف عن أثر عميق تركه تاريخ طويل من الاستبداد والطائفية والتصنيف القومي والمذهبي في الوعي السياسي العراقي. ومن أخطر تجليات هذه الظاهرة أن بعض العراقيين، ولا سيما من أبناء البيئة الشيعية، ما زالوا يتعاملون مع وطنيتهم وكأنها تحتاج إلى شهادة حسن سلوك يمنحها الآخر.


لقد نجح النظام البعثي، عبر عقود من القمع والإقصاء وإعادة تعريف الوطنية وفق معايير أيديولوجية وقومية وطائفية، في إنتاج صورة مشوهة عن المواطن العراقي. ولم ينتهِ أثر ذلك الخطاب بسقوط النظام, إذ بقيت بعض مفاهيمه حية في الوعي السياسي والاجتماعي، ولكن بأشكال أكثر نعومة وأشد التباساً.


ومن هنا نشأت لدى بعض الأفراد حالة يمكن وصفها بـ "الوطنية التعويضية" وهي محاولة إثبات عراقية الشخص وعروبته من خلال المبالغة في إدانة إيران، وشتم رموزها، والتشدد في معاداتها، وكأن مقدار العداء لإيران أصبح معياراً لقياس مقدار الوطنية.


وهنا تكمن المفارقة، فبدلاً من أن يكون العراق هو نقطة الانطلاق في تحديد الموقف من إيران، أصبحت إيران هي نقطة الانطلاق في تحديد معنى العراق.

وبدلاً من أن يكون السؤال: ما الذي يخدم مصلحة العراق؟، أصبح السؤال عند البعض: كيف أثبت للآخرين أنني لست إيرانياً؟.

وهذا التحول ليس تفصيلاً لغوياً عابراً، إنه انتقال خطير من الوطنية بوصفها انتماءً مستقلاً إلى الوطنية بوصفها موقفاً دفاعياً أمام اتهام مفترض.


*من الوطنية إلى طلب الاعتراف*


المشكلة الأعمق ليست في انتقاد إيران, فهذا حق سياسي مشروع، بل قد يكون واجباً عندما يتعلق الأمر بتدخل أو انتهاك للسيادة أو دعم لقوى سياسية فاسدة أو ممارسة نفوذ يتعارض مع مصالح الدولة العراقية. المشكلة تبدأ عندما يتحول انتقاد إيران من موقف سياسي قابل للنقاش إلى طقس لإثبات الوطنية. وهنا تصبح المعادلة مختلة: *كلما شتمت إيران أكثر، أصبحت عراقياً أكثر*.وهذا المنطق، في جوهره، لا يحرر الإنسان من الطائفية، بل يعيد إنتاجها بصورة معكوسة، لأنه يفترض أن الشيعي يحتاج إلى إثبات براءته من إيران كي يحصل على الاعتراف بعراقيته، بينما يُتعامل مع عراقي آخر باعتباره وطنياً وعروبياً بصورة تلقائية، بصرف النظر عن مواقفه الفعلية من الدولة أو العنف أو التدخلات الخارجية. وفي ظل هذه الازدواجية لا يمكن أن تنتج دولة وطنية. بينما غير مطلوبة تلك الشهادة من مكوّن دون آخر. ولا يجوز أن يصبح الانتماء الوطني امتحاناً يفرض على العراقي أن يثبت فيه أنه أكثر عداءً لدولة أجنبية من غيره.


*إعادة إنتاج خطاب البعث بأدوات جديدة*


الأكثر خطورة أن بعض الخطابات المعاصرة أعادت إنتاج البنية القديمة للصراع، ولكن بمفردات جديدة. فقد اختفت في كثير من الأحيان اللغة البعثية المباشرة، وحلّت محلها تعبيرات تبدو وطنية وقومية، لكنها تحمل في بعض الحالات الوظيفة السياسية ذاتها: وضع فئة عراقية كاملة في موضع الشبهة، وربط هويتها السياسية بولاء خارجي مفترض. وهنا ينبغي التمييز بين نقد السلوك السياسي لإيران وبين تحويل إيران إلى  "اختبار مذهبي" للشيعة العراقيين.


إيران دولة لها مصالحها وحساباتها وأخطاؤها وأدوات نفوذها، كما أن تركيا دولة لها مصالحها، والولايات المتحدة دولة لها مصالحها، وكذلك دول عربية وإقليمية أخرى.

الدولة لا تتعامل مع الدول الأخرى بمنطق الحب والكراهية، بل بمنطق المصلحة والسيادة وتوازن القوى. ومن ثم فإن اختزال الموقف العراقي في سؤال: "هل أنت مع إيران أم ضدها؟" هو في حد ذاته إلغاء للعراق من المعادلة.


*المشكلة ليست في العرب… بل في توظيف العروبة*


وفي الجهة المقابلة، لا يمكن بناء قراءة متوازنة من دون الاعتراف بوجود خطاب آخر يستخدم العروبة أحياناً باعتبارها امتيازاً سياسياً لا هوية ثقافية. العروبة قيمة ثقافية وتاريخية واسعة، لكنها لا يمكن أن تكون غطاءً لإعادة إنتاج الطائفية. 

ولا يمكن أن تتحول العروبة إلى حصانة سياسية تجعل بعض المواقف بمنأى عن النقد، بينما يصبح الشيعي مطالباً بإثبات عروبته باستمرار.


فالوطنية لا تُقاس بنسب الإنسان، ولا بمذهبه، ولا باللغة التي يتحدث بها، ولا بالدولة التي يهاجمها في وسائل الإعلام. الوطنية تُقاس بالموقف من الدولة والقانون والسيادة وحقوق المواطنين. ومن الخطأ أن يتحول السكوت عن جرائم البعث أو الإرهاب التكفيري أو التدخلات الإقليمية إلى أمر يمكن تبريره تحت عنوان "الموقف العربي"، كما أن الخطأ المقابل هو تبرير أي تدخل إيراني بحجة مواجهة خصوم إيران. لا يمكن أن نواجه طائفية بطائفية مضادة، ولا تبعية بتبعية أخرى.

لذلك نجد ان أخطر مراحل الدونية: عندما يصبح التطرف وسيلة لإثبات الذات.


ربما تصل الأزمة إلى ذروتها عندما يبحث الإنسان عن الاعتراف من خلال تبني مواقف أكثر تطرفاً من البيئة التي يريد الحصول على قبولها. عندها يصبح من الممكن أن يرى بعض العراقيين في شخصيات مثيرة للجدل أو ذات ماضٍ مسلح ورموز مرتبطة بخطابات تكفيرية نماذج جديرة بالإعجاب، ليس بسبب تقييم موضوعي لتجربتها، وإنما لأنها تمثل في وعيه صورة "الآخر" الذي يريد أن يثبت أنه ينتمي إليه ثقافياً وقومياً. وهنا تتحول السياسة إلى أزمة هوية.


*إيران ليست بريئة… لكن نقدها لا يحتاج إلى عقدة*


وفي المقابل، فإن رفض عقدة الدونية لا يعني إطلاقاً تبرئة إيران من مسؤولياتها. إيران، مثل أي قوة إقليمية، مارست نفوذاً واسعاً في العراق، ودعمت قوى وشخصيات سياسية، وتدخلت في تفاصيل من الحياة السياسية والأمنية، وارتكبت سياساتها أخطاء استراتيجية ساهم بعضها في تعقيد بناء الدولة العراقية.


ومن حق العراقي أن ينتقد ايران بشكل واضح. لكن الفرق بين المواطن الواثق والمواطن الذي يعيش عقدة الدونية هو أن الأول ينتقد إيران لأنها تدخلت في شؤون بلده، بينما قد ينتقدها الثاني لأنه يريد أن يثبت للآخرين أنه ليس إيرانياً. الأول يمارس السيادة. والثاني يمارس إثبات الذات. وهذا فارق جوهري.


*تركيا وأمريكا والسعودية وإيران: المعيار واحد*


إذا كان العراق يريد أن ينتقل من مرحلة الاستقطاب إلى مرحلة الدولة، فلا بد من إعادة بناء "المسطرة الوطنية". لا يجوز أن يكون التدخل الإيراني مرفوضاً، بينما يصبح التدخل التركي قابلاً للتبرير.

ولا يجوز رفض النفوذ الأمريكي حيناً، ثم اعتباره ضرورة حيناً آخر وفقاً للجهة التي تدعمه.


ولا يجوز انتقاد دولة عربية لأنها تتدخل في العراق، ثم السكوت عن تدخل دولة أخرى لأنها تنتمي إلى المجال الثقافي نفسه.

المبدأ يجب أن يكون واحداً: كل تدخل خارجي يُقاس بمدى تعارضه مع السيادة والمصلحة العراقية، لا باسم الدولة التي تمارسه. والقاعدة ذاتها تنطبق على الإرهاب.


الإرهاب لا يصبح أقل إرهاباً لأن مرتكبه ينتمي إلى بيئة قومية أو مذهبية معينة، ولا يصبح أكثر إرهاباً لأن خصمه السياسي ينتمي إلى بيئة مختلفة.

المدني العراقي مدني عراقي. والدم العراقي لا يحمل جنسية سياسية. فالعراق بحاجة إلى استقلال نفسي قبل الاستقلال السياسي. لان المعركة الحقيقية ليست فقط مع التدخلات الخارجية، بل مع قابلية الداخل للاستجابة لها.


فالدولة القوية لا تُبنى بمجرد إخراج النفوذ الخارجي، وإنما ببناء مجتمع سياسي لا يحتاج إلى الخارج كي يمنحه تعريفاً لهويته.


العراقي الذي يحتاج إلى إيران لكي يشعر بقوته، أو يحتاج إلى العرب لكي يثبت عروبته، أو يحتاج إلى أمريكا لكي يثبت حداثته، أو يحتاج إلى تركيا لكي يثبت انتماءه الإقليمي، لم يتحرر بعد من التبعية، مهما رفع من شعارات السيادة. الاستقلال الحقيقي يبدأ عندما يصبح العراق مرجعيتنا الأولى في تعريف مواقفنا.

عندها يمكن للعراقي أن يحب إيران ثقافياً وينتقد سياساتها. ويمكنه أن يعتز بعروبته ويرفض أي خطاب طائفي عربي.

ويمكنه أن يرفض الولايات المتحدة في قضية ويقبل تعاونها في قضية أخرى. ويمكنه أن ينتقد تركيا من دون أن يكره الأتراك. ويمكنه أن يختلف مع أي دولة من دون أن يحوّل شعبها إلى عدو.

هذه هي السياسة الناضجة. الدولة هي نقطة التوازن


العراق لا يحتاج إلى انتصار محور على محور بقدر ما يحتاج إلى انتصار الدولة على منطق المحاور. فالبديل الحقيقي عن الاستقطاب ليس الحياد السلبي، وإنما الاستقلال الإيجابي: أن يمتلك العراق القدرة على بناء علاقاته الخارجية وفق مصالحه الوطنية، وأن يرفض أن تتحول أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

​*المقاومة التي نريدها والعراق الذي نريده !!*


سعيد البدري

ثَمّة مشكلةٌ تتقدّم اليوم في الخطاب السياسي والإعلامي، هي الانشغال بالحدث حتى يطغى على المعنى، والانشغال بالخصم حتى يصبح هو مركز الرواية ،قد نردّ على تصريح، ونواجه موقفاً، ونفكّك قراراً، وننتصر في سجال، لكن السؤال الأهم يبقى خارج المشهد أيّ عراقٍ نريد؟

من هنا تبدأ المسألة؛ لأن المقاومة التي تفقد مشروعها تتحوّل مع الوقت إلى ردّ فعل، والمقاومة التي تمتلك مشروعاً تصبح جزءاً من رؤية أوسع للعراق والدولة والمستقبل.

المواجهة مع هيمنة الولايات المتحدة وأطماع الكيان الصهيوني، أو أيّ مشروع خارجي، ليست القضية كلّها، وإنّما وجهٌ من وجوه قضية أكبر، وسؤالٌ أعمق يقول كيف يمكن أن نصل إلى عراق يمتلك قراره، ويحمي ثرواته، ويصون سيادته، ويقيم علاقاته من موقع الدولة، لا من موقع الساحة المفتوحة لصراعات الآخرين؟

وحين يصبح العراق مركز الخطاب، تتغيّر وظيفة المقاومة نفسها، ولا تعود مجرّد موقف في مواجهة الآخر، بل تتحوّل إلى مشروع وطني يدافع عن حق العراق في تقرير مصيره. عندها تصبح السيادة مضموناً للمقاومة، وتصبح المقاومة إحدى أدوات حماية السيادة، وتصبح الوحدة الوطنية شرطاً لحماية الاثنين.

وهنا تبرز حقيقةٌ كثيراً ما يجري اختزالها، تشير إلى أنّ المقاومة ليست سلاحاً فقط.

هي وعيٌ سياسي، وثقافة، وفكر، وإعلام، وموقفٌ شعبي، وقدرةٌ على إنتاج الرواية الوطنية في مواجهة الروايات التي تريد إعادة تعريف مصالح العراق وفق مصالح الآخرين.

فمعركة الوعي ليست هامشاً على المواجهة الأعم، بل واحدةٌ من ساحاتها الأساسية، ومن يفقد وعيه بمصالحه الوطنية ومتَبَنّياته، يمكن أن يخسر المعركة حتى وإن امتلك القوة، بينما يستطيع من يمتلك روايته أن يحوّل التضحيات إلى مشروع، والوقائع إلى ذاكرة، والذاكرة إلى إرادة سياسية.

لهذا لا يكفي أن يكون الخطاب حاضراً في الحدث، المطلوب أن يكون حاضراً في تفسيره، وأن لا يكتفي بالسؤال عن ماذا حدث؟ بل يذهب إلى السؤال الأهم ماذا يعني هذا للعراق؟ وإلى أين يمكن أن يقود؟

ومن هذه الزاوية لا تبدو الدولة والمقاومة نقيضين ،لان النقيض الحقيقي هو ،كيف نصل إلى الدولة المستقلة، ونرفض إبقاء دولةٍ مرتهنة بلا قرار؟ وهو ما يعني أن تكون القوى الوطنية في مواجهة المنطق الذي يحاول البعض تكريسه، ليشرعنوا تحوّلهم إلى أدوات تدافع عن التدخل والهيمنة، بحجّة حمايتهم باسم الوطن وحقوق جزءٍ من المواطنين يدّعون تمثيلهم.

أمّا حين تكون المقاومة جزءاً من مشروع حماية العراق، فإن غايتها الطبيعية ليست إضعاف الدولة، بل بناء دولة أقوى، وأكثر استقلالاً، وأقدر على حماية قرارها.

ومن يفهم هذه المعادلة: «المقاومة من أجل الدولة، والدولة لحماية السيادة، والسيادة لحماية العراق»، يدرك أنّ شيطنة المقاومة خطأٌ جسيم؛ لأنّها الغطاء الذي يمنع التجبر، ويضبط إيقاع أدوات التدخل، ويعيد وضع القواعد انطلاقاً من حرصٍ ومسؤولية تجاه الوطن.

وفي هذه المعادلة لا يمكن تجاوز تجربة الحشد الشعبي، ولا يمكن التعامل معها بوصفها مجرّد فصلٍ عسكري انتهى بانتهاء المعارك. فقد ظهر الحشد في لحظةٍ مصيرية كان فيها العراق أمام تهديدٍ وجودي تمثّله قوى الظلام والإرادات الدولية الشريرة، ليحمل أبناؤه السلاح دفاعاً عن المدن والقرى والناس، وليرتقي منهم الشهداء في سلسلة معارك لم تكن دفاعاً عن حدودٍ جغرافية فحسب، وإنّما دفاعاً عن بقاء العراق نفسه.

ولهذا فإنّ الحشد، في الوعي الوطني، يمثّل واحدةً من صور مشروع المقاومة العراقية؛ وهو مشروعٌ نشأ من الحاجة إلى حماية البلاد، وتحوّل بفعل التضحيات إلى جزءٍ من الذاكرة الوطنية ومعادلة الدفاع عن الدولة والسيادة.

وللتذكير، فإنّ من دافعوا عن العراق في تلك الظروف العصيبة لا ينبغي أن يبقوا أسرى صورة الحرب، وأنّهم ضحاياها مطلقاً؛ فالشهادة لن تكون هنا ذات معنى إذا تحوّلت إلى صور معلّقة على الجدران، بل حين تتحوّل التضحيات إلى وعيٍ يحمي البلاد، ويدفع الجميع إلى استذكار فداحة الثمن إذا لم يدركوا خطورة إعادة السير باتجاه التفرّق والتشتّت.

وهنا تحديداً تبدأ مسؤولية الخطاب، فالمطلوب ليس التخلي عن المعركة اليومية، وإنّما وضعها في إطارها الصحيح داخل مشروعٍ أكبر، نعود من خلاله إلى مفردات أعمّ تمثّل الكرامة والسيادة والاستقلال والوحدة والدولة والمصلحة العامة، لا بوصفها شعاراتٍ جاهزة، وإنّما باعتبارها معايير للحكم على المواقف والأحداث.

الخبر يتغيّر كل يوم، والموقف يتبدّل، والخصوم يتغيّرون، لكن القضايا الكبرى لا تتغيّر بهذه السرعة.

ولهذا يحتاج الخطاب العراقي إلى انتقالٍ من إعلام الحدث إلى إعلام المعنى، ومن متابعة ما يجري إلى تفسير ما وراءه، ومن ملاحقة الخصم إلى بناء صورة العراق الذي نريد.

العراق الذي لا يكون ساحةً لمواجهةٍ تُفرض عليه، ولا تابعاً لإرادة من يعتقد نفسه قوياً وجديراً بالاتباع، ولا العراق الفاقد لبوصلة مصالحه الوطنية؛ بل العراق الذي يدرك خطورة موقعه، ويسعى لترسيخ استقلالية قراره، ويوازن علاقاته، ويملك القوة التي تمنع المبتزين،واصحاب المشاريع الاستكبارية من فرض إرادتهم عليه.

وعندها فقط يصبح الدفاع عن المقاومة دفاعاً عن معنى أكبر من السلاح، كما يصبح الدفاع عن الدولة دفاعاً عن معنى أكبر من مؤسساتها، وهكذا نفهم حق العراق في أن يكون سيّداً على أرضه وقراره وثرواته ومستقبله.

هذه هي المقاومة التي تستحق أن تستمر؛ لأنّها لا تعيش على الخصومة، بل على المشروع، ولا تستمد شرعيتها من وجود العدو وحده، بل من وجود وطنٍ يستحق أن يُحمى.

فالقضية في النهاية ليست مواجهةً تقليدية مع نظامٍ دولي متجبّر أو احتلال، وإنّما قضية إنسان ووطن وسيادة ودولة ومستقبل شعب، وهذه القضايا لا تنتهي بانتهاء المعارك.

إنّها قضايا أُمّة وفكر ما يزال ينتظر من يعتنقه ويدافع عنه، ويصوغ مساراته بلغةٍ جديدة، وأدواتٍ جديدة، ووعيٍ يليق بحجم التضحيات التي بُذلت، والأسماء الكبيرة الشامخة التي أسّست لأن تكون عنواناً لكفاح وجهاد شعب آمن بتخليص العراق من الشرور، وضرورة إبعاده عن مشاريع التبعية و الذوبان في هويات الآخرين التي لا تمثّل هوية أبنائه بأيّ شكلٍ من الأشكال.

​الفساد في العراق...أزمة بنيوية تهدد مشروع الدولة


محمد حسن الساعدي 

محاربة الفساد في العراق تعد واحدة من أعقد القضايا التي تواجه الدولة والمجتمع منذ عقود، إذ أصبح الفساد متجذراً في مؤسسات الدولة ومرافقها، مما أثر بشكل مباشر على التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي والثقة الشعبية، إذ إن الحديث عن الفساد في العراق لا يقتصر على الرشوة أو الاختلاس، بل يمتد ليشمل المحسوبية، التلاعب بالعقود الحكومية، تهريب الأموال، وضعف الرقابة على الموارد العامة، وكلها عوامل ساهمت في إضعاف مؤسسات الدولة وإعاقة بناء نظام ديمقراطي فعّال.

لقد أدت سنوات طويلة من الحروب والعقوبات والاحتلال إلى خلق بيئة هشة سمحت بانتشار الفساد بشكل واسع،فغياب المؤسسات الرقابية القوية، وضعف القضاء، وتداخل المصالح السياسية مع الاقتصادية، جعل من الفساد ظاهرة شبه طبيعية في الحياة اليومية،فالمواطن العراقي يشعر أن الفساد يلتهم حقوقه الأساسية، سواء في الحصول على خدمات صحية وتعليمية جيدة، أو في فرص العمل، أو حتى في أبسط حقوقه كمواطن يسعى إلى حياة كريمة،لذلك فإن محاربة الفساد ليست مجرد قضية إدارية أو قانونية، بل هي معركة وجودية تتعلق بمستقبل الدولة العراقية.

الإصلاح ينبغي يبدأ أولاً من تفعيل دور المؤسسات القضائية المستقلة والقادرة على محاسبة الفاسدين مهما كانت مواقعهم، لان استقلال القضاء يمثل حجر الزاوية في أي عملية إصلاح، لأنه يضمن أن لا أحد فوق القانون، كما أن تعزيز دور هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية وتزويدهما بالصلاحيات والموارد اللازمة، يعد خطوة أساسية في كشف ملفات الفساد وملاحقة المتورطين فيها،لكن هذه الإجراءات لن تكون فعالة ما لم تترافق مع إرادة سياسية حقيقية، لأن الفساد غالباً ما يرتبط بشبكات مصالح نافذة داخل السلطة نفسها.

من جانب آخر، لا يمكن تجاهل دور مؤسسات المجتمع المدني والإعلام الحر النزيه والغير مجير في فضح الفساد ومساءلة المسؤولين، فالصحافة الاستقصائية والمنظمات الحقوقية تشكل خط الدفاع الأول عن حقوق المواطنين، وهي قادرة على كشف الحقائق التي قد تُطمس داخل أروقة السلطة. كما أن إشراك المواطنين في الرقابة على المشاريع والخدمات العامة يعزز الشفافية ويحد من فرص التلاعب فالمجتمع الواعي والمشارك هو الضمانة الحقيقية لنجاح أي حملة ضد الفساد.

الجانب الاقتصادي أيضاً له دور مهم، إذ أن تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط يحد من فرص الفساد المرتبط بالعقود النفطية والموارد الريعية، ويأتي ذلك من خلال الاعتماد على الإيرادات الغير نفطية وجباية المنافذ الحدودية وهذا ما تحقق من خلال نظام الاسيكودا (ASYCUDA) الجمركي ،كما أن إصلاح النظام المصرفي والمالي، وتطبيق أنظمة حديثة في إدارة الأموال العامة، يسهم في تقليل الهدر والسرقة، لان التكنولوجيا الحديثة يمكن أن تكون أداة فعالة في هذا المجال، من خلال اعتماد الحكومة الإلكترونية التي تقلل من الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف، وبالتالي تحد من فرص الرشوة.

التحدي الأكبر يبقى في تغيير الثقافة السائدة التي ترى في الفساد وسيلة طبيعية للحصول على الحقوق أو تحقيق المكاسب، وهذا يتطلب برامج تربوية وتعليمية طويلة الأمد، تبدأ من المدارس والجامعات، لترسيخ قيم النزاهة والشفافية والمواطنة الصالحة. فالمجتمع الذي يرفض الفساد أخلاقياً وثقافياً سيكون أكثر قدرة على مواجهته عملياً.

محاربة الفساد في العراق ليست مهمة سهلة ولا يمكن إنجازها بين ليلة وضحاها، لكنها ضرورة لا غنى عنها إذا أراد العراق أن يبني دولة قوية قادرة على تلبية طموحات شعبه، إذ إن نجاح هذه المعركة يتطلب تضافر جهود الدولة والمجتمع معاً، وإرادة سياسية صادقة، وإصلاحات جذرية في النظام الإداري والقضائي والاقتصادي، فالعراق الذي يمتلك تاريخاً عريقاً وموارد غنية يستحق أن يتحرر من قيود الفساد، ليبدأ مسيرة جديدة نحو الاستقرار والازدهار.

​دور الإعلام في نقل الأحداث الفنية


بقلم:  ليث امان 

يؤدي الإعلام دورا اساسيا في نقل الأحداث والفعاليات الفنية والثقافية ، الا اننا ما زلنا نشهد قصورا في تغطية العديد من هذه الأحداث بالشكل الذي يليق بأهميتها وقيمتها الفنية والثقافية  وعند متابعة المشهد الفني في عدد من البلدان، نلاحظ أن بعض الفعاليات والأعمال الفنية تحظى باهتمام إعلامي واسع، وتتصدر المشهد الثقافي، لما يمثله الفن من قيمة حقيقية في بناء صورة الدول وتعزيز حضورها الثقافي على المستوى المحلي والدولي. فالفن ، بمختلف أشكاله، سواء كان سينما أو مسرحًا أو فنًا تشكيليا أو تصويرا فوتغرافي أو غيرها من الفنون ، يحتاج إلى اهتمام حقيقي ورعاية إعلامية تسهم في إيصال هذه المنجزات إلى الجمهور ، وتمنح المبدعين المساحة التي يستحقونها. ومن هنا ، تقع على عاتق المؤسسات الثقافية والإعلامية مسؤولية كبيرة في دعم الفعاليات الفنية وتغطيتها بمهنية ، ليس فقط من خلال نقل الحدث، وإنما عبر تقديم محتوى يعرّف الجمهور بقيمته وأهميته، ويوصل الصورة الجميلة عن الحركة الفنية والثقافية إلى العالم إن الاهتمام بالإعلام الفني ليس ترفا ، فالفن هو إحدى أهم رسائل الشعوب ، ومن خلاله تستطيع الدول أن تقدم ثقافتها وهويتها وإبداعها إلى العالم. وفي النهاية ، يبقى الجمهور هو المعيار الحقيقي لنجاح أي تجربة فنية أو إعلامية فكلما استطعنا الوصول الى الجمهور وإثارة اهتمامه وتفاعله ، نجحنا في إيصال الرسالة التي يحملها الفن .

​جامعة الفرات الأوسط التقنية تشارك في ورشة لبناء منظومة جامعية لتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية


أوس ستار الغانمي 

شاركت جامعة الفرات الأوسط التقنية في ورشة العمل التخصصية التي نظمتها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بشأن بناء منظومة جامعية لتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية، بالتعاون مع مؤسسة Clarivate، وبمشاركة عدد من رؤساء الجامعات والباحثين والخبراء في مجالات التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار.

ومثّل الجامعة في الورشة مساعد رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور أحمد غانم وداي، في إطار اهتمام الجامعة بتعزيز حضورها في البرامج والمبادرات التي تستهدف تطوير منظومة البحث العلمي وربط مخرجات المعرفة بالاحتياجات الاقتصادية والتنموية.

وأكد وكيل الوزارة لشؤون البحث العلمي الأستاذ الدكتور حيدر عبد ضهد، خلال كلمته في الورشة، أهمية تطوير الدور الذي تضطلع به الجامعات، والانتقال من إنتاج المعرفة إلى بناء منظومات متكاملة تعمل على تحويل البحث العلمي والابتكار والمخرجات الأكاديمية إلى قيمة اقتصادية قابلة للتطبيق.

وأشار إلى أن مسار بولونيا يمثل أحد الأطر المهمة لتطوير التعليم العالي وربط مخرجاته بالمهارات والكفايات التي يحتاجها سوق العمل، إلى جانب أهمية الإفادة من تجارب الحدائق التكنولوجية في توفير بيئات حاضنة للابتكار، ودعم نقل المعرفة والتقنيات من الجامعات إلى القطاعات الإنتاجية.

وأوضح عبد ضهد أن بناء اقتصاد مستدام قائم على المعرفة يرتبط بتكامل الأدوار بين الجامعات وسوق العمل والقطاعات الاقتصادية، بما يسهم في توظيف مخرجات التعليم والبحث العلمي لمعالجة التحديات التنموية، وتطوير منتجات وخدمات تستند إلى المعرفة والابتكار، مؤكداً أهمية دور الجامعات العراقية في بناء هذه المنظومة وتوسيع شراكاتها مع المؤسسات الاقتصادية والتكنولوجية.

من جانبه، رحب رئيس جامعة بغداد الأستاذ الدكتور علاء عبد الحسن عطية بالمشاركين، مشدداً على أهمية تطوير البيئة الجامعية وتعزيز الصلة بين المعرفة الأكاديمية والتطبيقات الاقتصادية، بما يفتح آفاقاً أوسع أمام الباحثين والطلبة لتحويل الأفكار والنتائج العلمية إلى مشاريع وحلول قابلة للتطبيق.

وتضمنت الورشة محاضرة تخصصية قدمها الدكتور أيمن عقيل والدكتور وليد حسان من مؤسسة Clarivate، تناولت أسس بناء منظومة جامعية متكاملة لتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية، وآليات إدارة المعرفة والابتكار، وسبل ربط مخرجاتهما بالقطاعات الإنتاجية وسوق العمل، إلى جانب استعراض عدد من التجارب والممارسات ذات الصلة.

وشهدت الورشة نقاشات علمية ركزت على تطوير البيئة المؤسسية للابتكار داخل الجامعات العراقية، وتفعيل الشراكات مع القطاعين العام والخاص، وتعزيز قدرة المؤسسات الأكاديمية على تحويل مخرجات البحث العلمي والمعرفة الجامعية إلى تطبيقات ومشروعات ذات أثر اقتصادي وتنموي.

وتأتي مشاركة جامعة الفرات الأوسط التقنية في هذه الورشة ضمن توجهها نحو تعزيز منظومة البحث والابتكار، وتوسيع مجالات التعاون مع المؤسسات العلمية والاقتصادية، بما يدعم توظيف المعرفة الجامعية في خدمة التنمية وتحويل الأفكار والنتائج البحثية إلى قيمة مضافة للمجتمع والاقتصاد.

​(القائد) وليس (المرشد)


د. علي المؤمن

   ابتداءً، أقول إن تسمية (المرشد) أو (المرشد الأعلى) لا وجود لها في الفقه الشيعي، ولا القانون الدستوري الإسلامي، ولا الدستور الإيراني، وإنما التسمية الدستورية والفقهية لرمز سيادة الدولة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية ورئيس نظامها هي (القائد)، وهي ترجمة لمصطلح (رهبر) بالفارسية، كما نصّ دستور الجمهورية الإسلامية في مقدمته، وفي المادة الخامسة، وكثير من المواد الأُخر.


   أما مصطلح (المرشد) و(المرشد الأعلى) و(المرشد الإيراني)، فقد اخترعه إعلامي مصري سنة 1989، ليشبّه به القائد الخامنئي بمرشد الإخوان المسلمين، وليحفّز مشاعر مسؤولي النظام المصري وعموم القوميين العرب والوطنيين المصريين ضد إيران، على اعتبار أن هؤلاء القوميين والوطنيين يكرهون جماعة الإخوان بالفطرة، وهو ما يجعلهم يشمئزون من إيران تلقائياً بمجرد سماع تسمية (المرشد)، التي تذكّرهم بتسمية مرشد جماعة الإخوان.


  ما قام به هذا الإعلامي المصري يُعدّ (ضربة شاطر) على المستويات السياسية والإعلامية والنفسية، ونجح فيها نجاحاً باهراً، لكنه ـ في الوقت نفسه ـ ارتكب خطأً علمياً عميقاً، حين زرع مصطلحاً زائفاً في الأدبيات الفقهية الشيعية، وأعطى، من خلاله، لموقع الولي الفقيه صفةً إرشاديةً، وليست صفةً ولائيةً أو قياديةً؛ ما يعني أن الفرق القانوني والفقهي بين مصطلحي (القائد) و(المرشد) جوهري وأساسي.


   والطريف أن أحد الفلسطينيين الطائفيين، وفي لحظة تهريج طائفي، استدلّ، في مقابلة له مع قناة إخبارية إماراتية، على التشابه الفكري والفقهي بين جماعة الإخوان والجمهورية الإسلامية، فقال إن إيران استعارت مصطلح (المرشد) من جماعة الإخوان وأطلقته على رئيس نظامها!! وهو بذلك بنى اكتشافه (الخطير!) على دليل اخترعه أحد رفاقه، ولا وجود له أساساً.


   والمفارقة أن المترجمين العرب في القنوات التلفزيونية العربية، حين يترجمون من الانجليزية إلى العربية، فإنهم يزيفون المصطلح أيضاً، فتجد المسؤول أو الضيف الأمريكي والبريطاني يقول: (Leader of Iran)، لكن المترجم يترجمها إلى (المرشد الإيراني).


   والغريب أن الذين تلقّفوا مصطلح (المرشد) المزيّف هم بعض الإعلاميين والمثقفين الشيعة، وأخذوا يردّدونه، رغم معرفتهم بخطئه لغوياً ودلالياً، كعادتهم في تلقّف أي مصطلح سياسي أو إعلامي غربي أو عربي، برّاق في مظهره وصياغته، وإن كان يتعارض مع دلالات المصطلح الأصلي التي تنص عليها الأدبيات العقدية أو الفقهية أو السياسية الإسلامية، والشيعية منها تحديداً، رغم أن كثيراً منهم عاش سنوات طويلة في إيران، ويتقن الفارسية، وينبغي أن يكون على دراية لغوية وفقهية وقانونية بدلالات المصطلح، واختلافها الجوهري عن ترجمة مصطلح القائد أو الولي ودلالاته.


   وأكثر ما يثير الاستغراب هو استخدام بعض الإعلاميين الإيرانيين المستعربين مصطلح (المرشد) في لقاءاتهم مع القنوات التلفزيونية العربية، وهم بذلك يرتكبون خطأً مركباً، ليس على المستويين الفقهي والقانوني فحسب، وإنما على المستوى الثقافي أيضاً؛ لأنهم يعرفون المصطلح الحقيقي جيداً، ويعون دلالاته اللغوية والفقهية والقانونية.